منوعات

خواطر مبدعٍ: ليلةٌ “مُعَسّلةٌ” في حفل عرسٍ على تخوم الصحراء

إبداعات الأستاذ مصباح شنيب لا تنتهي، فهو لا ينتهي من كتابة خواطر رائعة تعود به إلى سبعينات القرن الماضي، في أحداث حقيقية، تؤكد قيمة الرجل وتمسّكه بجذوره البدويّة.

في هذه المرة، يضعنا الأستاذ مصباح شنيب أمام قصة طريفة، مشوّقة، أحسن حبكها، بأسلوب سلس، هي عبارة عن “حفل عرس”، فيه يلقي الضوء على طقوس الأعراس في الجنوب، وخاصة في ربوع ولاية تطاوين، بقراها وأريافها المترامية. عادات وتقاليد تشبثوا بها فتميّزوا عن غيرهم، بحبّهم لتلك الأرض الطيبة، التي يطلق عليها “الوطن”.

قليلة هي لحظات الفرح في حياة البدو، ولعلّ شظف الحياة وقساوة المناخ كانا وراء جزء من هذا الحزن التاريخي الذي تقرأ بصماته دون عناء على وجوههم التي لوحتها الشمس، وأهازيجهم المترعة باللوعة والعذاب، والتي ليس لهم غيرها، ممّا يردّدونه بينهم، وبين أنفسهم، ومع بعضهم البعض في الأفراح والأسفار حتى يذهب بك الظن أحيانًا بأنه ليس من فرق ما بين المأتم والفرح سوى خيط رفيع حتى وصف الصادق الرزقي يومًا أغاني الأفراح بأنها ليست إلا ضربًا من النّواح.

غير أنّ بدو الصحراء يجدون متعة كبيرة في تلقّي هذا “الفن” المشحون بالأسى، ويقع منهم موقع النّصال على النّصال ترجمانًا لتركيبة نفسية أضناها الفقد. فمن يمرض يغادر ومن يعشق يعاقب ومن ينطق يتمّ إسكاته، فاستيعاب هذا الواقع الفقير حسًّا ومعنى كلفته النفسية مدمّرة، بل مستأصلة للحياة من جذورها.

حفل عرس.. وأنجب سعدٌ عمّارًا

 

حفل عرس

عمار بن سعد هو فرع من عائلتنا الموسّعة ظلّ لسنين طويلة يتزايد بمعدل فرد واحد، وقبل ميلاده خشي أبوه أن يندثر رسم العائلة، ولكن بركات الفقراء إلى الله هي التي كانت وراء قدوم عمار إلى الدنيا بعد يأس، وذلك أنّ جماعة من ذوي البركة مرّوا بمضارب خيام العائلة فاستضافهم أحد أجدادي وذبح لهم عنزًا قرناء. وبعد الشّبع، مدّ الحاضرون أيديهم إلى البركة، وقبل انطلاق الأدعية قام المستضيف بتقديم قريبه إلى الجماعة قبل أن تبتلع أشباحهم الصحراء ورجاهم الإخلاص له في الدعاء حتى تعمّر داره بوليّ عهد.

واستجاب الله للدعاء وأنجب سعد عمّارًا.

حفل عرس عمّارٍ

 

نشأ عمّارٌ مدلّلًا قويًّا باطشًا، لا يُعرف عنه أنه صُرع، أو أنّ أحدًا تفوّق عليه، وأنجب بدوره ولدًا واحدًا بعد زيجاتٍ عديدةٍ.

وعقد له حفل زواجٍ بهيجٍ ذات ربيعٍ، وتوافد عليه الناس مهنّئين. وكان عمّارٌ يصول ويجول سعيدًا بفرح ابنه. وبعد العشاء انعقد الحفلُ في شكل دائرةٍ موسّعةٍ، وغير بعيدٍ عن الجلوس، كدّست أكوامٌ من الحطب، وتمّ إشعال نارٍ مجوسيةٍ، وتغذيتها بالحطب اليابس. وكان جمرها يستصفى لطهي الشاي في سخّاناتٍ عملاقةٍ، فالشّايُ فاكهةُ البدو وجزءٌ لا يتجزأ من احتفالهم البسيط بالحياة.. أمّا ألسنة النار فكانت تضيء الحفل وتسهّل لقارعي الطبول ونافخي المزامير تنفيذ فقراته.

وظلّ الهدوء يرين على الحفل، لا تمزّقه إلا نقرات الطبل التي تردّد الصحراءُ صداها وزغاريدُ النساء التي تنطلق وئيدةً في شكلٍ لولبيٍّ معانقةً الفضاء..

ليلةٌ “معسّلةٌ” في حفل عرس

 

وفجأةً، هبت نسماتٌ رقيقةٌ أنعشت الحضور وأخذ البعض يحكمون عباءاتهم حول أجسامهم النحيلة للتّوقّي من لسعات البرد التي تهبها النسائم قدرةً على النفاذ إلى مسام الجسم.

غير أنّ منسوب النسيم ما فتئ يقوى ويثير انزعاج المحتفلين، وبدأت حركةٌ غير عاديةٍ تسري في أوساط الحفل، ولم يلبث أن تحوّل النسيم إلى ريحٍ معتدلةٍ.

حفل عرس في تطاوين

وفي غفلةٍ من الجميع، انفجرت الرياح انفجار العاصفة، وتطايرت أجزاء النار في الفضاء، وتلاشى الجمر في كلّ اتجاهٍ، وادلهمّت الظّلمة إلا من أجزاء النار تنتشر في كلّ مكانٍ، وتدور على بعضها البعض كالعفاريت، ولم يجد الناسُ بُدًّا من الهرب، وهرعوا إلى بيوتهم المقدودة من شَعر الماعز لتثبيتها، ووضع أكداسٍ من التراب على جنباتها حتى لا ترمي بها العاصفة بعيدًا.

وبقي عمّارٌ مشدوهًا حائرًا، وقد خلا الحفل من الناس، وغدا قاعًا صفصفًا، فأيقن أنّ الطبيعة قد أبلغت رسالتها إلى “العرس” ببلاغة بيانها الفصيح.

وألفى نفسه وحيــدًا يردّد، وطعمٌ الرمل في فمه.. يا لها من ليلةٍ “معسّلةٍ”.

 

الوسوم
اظهر المزيد

محمد رجب

صحافي وتربوي، عمل في عديد الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية منها إيلاف والعرب اليوم وإرم نيوز والشارقة 24 والتقرير وقنطرة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock