منوعات

خواطر مُبدعٍ: عليٌّ والحمارُ والكلبةُ ومَوْلاها

كعادته، أتحفنا الأستاذ المبدع مصباح شنيب بخاطرة جديدة، من ضمن سلسلة خواطر مبدعٍ، لا تختلف عن مضامين خواطر أخرى عديدة كتبها بكل الإتقان والإبداع.

التربوي والسياسي مصباح شنيب، كغيره من المبدعين، ينطلق من محيطه الذي خبره فتشبّع بما فيه من مضامين إنسانية تبقى حيّة، متجدّدة، يجد فيها القارئ في عصرنا الحالي، قيمًا تربّى عليها، ولكنه يفتقدها اليوم، ليقبل على مثل هذه الخواطر، بما تحمله من قصص واقعية، عاشها الأستاذ شنيب في مرحلتي الطفولة والشباب، وبقي الحنين يشدّه إلى تلك الأيام، كغيره ممن عرفهم، وممن لم يعرفهم، في مثل سنّه.

الأستاذ مصباح شنيب، يقدّم اليوم، خاطرةٌ بعنوان “عليٌّ والحمارُ والكلبةُ ومَوْلاها”، سبغها بشيء من الطرافة والخيال والجدّية في واقعٍ تغلب عليه “التغريبة” و”الهطّاية” في رحلات الخصاصة والمسغبة.

خواطر مبدع: سنين الجفاف والقحط ونفوق الماشية

 

لم تكن أرضنا في الجنوب كفيلةً بتوفير ما يفي بعيشنا جرّاء تعاقب سنين الجفاف والقحط ونفوق الماشية ونزول مدّخرات الشعير والقمح في المطامير إلى القاع، فكان أجدادنا وآباؤنا لا يجدون من حلّ لمواجهة هذه الأزمة سوى التوجّه إلى الشمال أو ما كان يسمّى تحديدًا “افريقة” للحصاد مقابل عشر المحصول.

ولا يُستثنى من السّفر إلا المرضى والشيوخ ممن لا طاقة لهم على تحمّل أعباء السفر.

خواطر مبدع: الحمار يحمل التبن

وارتبطت هذه التغريبة في خيال أهلنا بالإهانة وامتهان كرامة الإنسان من ملّاكي الأراضي وأرباب المزارع الذين كانوا يصرفون مقابلًا زهيدًا لـ “الهطّاية” الذين تسوقهم الخصاصة والمسغبة إلى بلاد بعيدة لا يعرفون أهلها وليس لهم فيها نصيرٌ.

خواطر مبدع: “الهطّاية” في رحلة الخصاصة والمسغبة

 

“الهطّاية” في رحلتهم الشّاقة من أقصى الجنوب إلى الشّمال، كثيرًا ما كانوا عرضة لأمراض وبائية تفتك بهم وكثيرًا ما كانوا يصابون بمرض “الوخم” جرّاء تناولهم لغلال غير معالجة، فيفرّون من الجوع إلى الموت وترسب في أنفسهم المنكوبة مشاعر الفقد والعذاب.

وتصبح محطّات الموت وفقدانهم لأعزائهم علاماتٍ على طريق تاريخهم الدّامي يؤرخون بها لهذه التغريبات.

وكان عليّ في صراعه الدائم مع الفقر يتنقل على حماره من مزرعة إلى أخرى، وإذا شطّ به المكان يودعه في “فندق الدواب” ويسيح في أرض الله الواسعة بحثًا عن رزق لاينقاد له بسهولة ولا يعود إلى حماره إلّا ليلًا ليتناول ما سهل إعداده من طعام مع أكثر من عليّ، أمثاله طردهم برهم الأعجف إلى ديارٍ بعيدةٍ.

عليٌّ والحمارُ والكلبة

 

لاحظ عليّ أنّ الحمار يتضوّر من الجوع فقرّر مع عليّ آخر قريبٍ له، أن يذهبا إلى البيادر المجاورة لجمع ما تناثر من التبن لتقديمه إلى الحمير المربوطة بالفندق.

فتجمّعت لهما شبكةٌ من تبن الشعير، حزماها ووضعاها على ظهر أحد الأحمرة. وتولّى عليّ قيادة الحمار وقام الآخر بدور السائق من خلفه. وما إن استقامت لهما الطريق حتى انطلقت من أحد المنازل كلبة كالسّهم في اتجاههما مخلّفة وراءها هالةً من الغبار. ولم تتوقّف إلّا عند رجليْ قائد الحمار الذي التفت إليها ربع التفاتة ووجه إليها ضربة شيطانية على مقدمة رأسها فأرداها قتيلةً.

خواطر مبدع: العصا والكلبة ومولاها

 

كان مولى الكلبة يراقب الأمر من بعيدٍ، فلمّا رآها مسجاةً، أسرع إلى الرّجليْن، متوعّدًا بأنه سيقتل من قتل كلبته. وكان عليّ، السائق، يتابع حركة الرجل الذي قصدهما راكضًا، وهو في حوار مع نفسه، كيف سيتصرفان مع هذا الرجل ذي القامة الفارعة، وكان يردّد بينه وبين نفسه ماذا لو هوى عليه بلكمة صمّاء، وكيف سيكون ردّه. أمّا عليّ القائد، فكان لا يُلقي بالًا إلى الأمر لأنه كان قليل السّمع جرّاء عاهةٍ قديمةٍ، ولم يوقظْه من غفلته إلّا وقعُ أقدام الرّجل تخبط الأرض على مسافةٍ قريبةٍ منهما.

آنذاك التفت إليه كما سبق أن التفت إلى الكلبة وتفل في يده وأحسن القبض على عصاه وأدارها في الهواء مرتين وتوعّده إنْ هو تقدّم خطوةً واحدةً نحوهما، فإنّ العصا ستحسم الأمر بينهما.

التفت عليّ السائق إلى الرّجل الضخم، فرآه قد وسّع ما بين ساقيه، ووقف جامدًا لا يتحرّك، ثم ما لبث أن ولّى عائدًا إلى بيته.

ولم يكن أهلنا يحسنون من فنون القتال إلّا استخدام هذه العِصِيّ الغليظة التي يعمدون إلى نقعها في الزيت حتى تكتسب الصلابة اللازمة، فهي سلاحهم الوحيد إذا ألمّ بهم طارئٌ .

 

الوسوم
اظهر المزيد

محمد رجب

صحافي وتربوي، عمل في عديد الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية منها إيلاف والعرب اليوم وإرم نيوز والشارقة 24 والتقرير وقنطرة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock