YOUR EXISTING AD GOES HERE
أخبار عربية

“السِّيزيام” مَعْبرٌ إلى المدينة

عاد الأستاذ المبدع مصباح شنيب ليكتب لنا عن طفولته وانتقاله إلى المدينة، تاركًا الريف الجميل، بعد أن اضطرته الدراسة، والنجاح في امتحان السيزيام (السنة السادسة من التعليم الابتدائي) إلى أن يعيش تجربة جديدة مليئة بالنجاحات ومفعمة بما يميز الحياة الجديدة من تناقضات وانفتاح على عالم جديد.

 

سيف الجزيري يبدع وي...
سيف الجزيري يبدع وينقذ الزمالك بهدفيْن قاتليْن

“السّيزيام” معبر إلى المدينة

 

في طفولتنا المبكرة لم تكن لنا صلة بالمدينة بقطع النظر عن كونها لم تكن تتوفر على مقومات التمدن رغم البصمة الكولونيالية التي ماتزال موشومة على جسدها الباهت..

وكان القدوم إلى المدينة لاجتياز مناظرة السيزيام يمثّل بالنسبة إليّ ذلك اللقاء الحقيقي بأجوائها البسيطة لكنها بدت لي عالمًا عجيبًا معقدا لا صلة له بخيامنا ودورنا في “الرّهاش” المسقوفة بجريد النخل وجذوعه.
غير أنه صادف أن اصطحبني المرحوم والدي قبل دخولي إلى المدرسة إلى مدينة بن قردان وأذكر أننا دخلناها من طريق آخر غير معبّد من جهة “المُرّة” منتجعنا الشتوي الذي به حصتنا من الأراضي القاحلة في برّ تونس..

الطريق إلى بن قردان

 

لقد أردفني على جملنا الأحمر ويممنا شطر المدينة. وقبل وصولها بنصف المسافة أنخنا راحلتنا وتولى أبي إشعال النار لإحضار الشاي فاكهة العربان التي لا مناص منها في الحلّ والترحال وسحب من الرحل مزودًا به سُويق لإعداد “الزميطة” لتناولها قبل استواء الشاي، وكانت الحيرة تستبدّ بعقلي الصغير في أيّ إناء سنحضرها والحال أننا لم نأت معنا بآنية لذلك عدا طاقم الشاي.

وعقدت الدهشة لساني عندما رأيت أبي يفتح المزود بعد أن دفع بكمية من محتواه إلى فمه (فم المزود) وفصل بين الشّقّيْن بخيط ثم سكب قليلًا من الماء والزيت على السّويق في المقدمة وأمسك بجانبي المزود وعرك الدقيق وتولّى خلطه حتى استوى “زميطة” لم ير الناس مثلها.
بعد هذه الاستراحة المعطّرة بالشاي على حطب “الغزدير” السريع الالتهاب استلمنا الطريق الترابي حتى أنخنا بأحد فنادق المدينة (1).
في بن قردان وخلال جولة قصيرة اشترى لي أبي مصحفًا وهو أول كتاب أضعه بين يديّ رغم كوني كنت اختلفت إلى كتّاب “الرّهاشّ وكان والدي قد وضع زيتونتنا التي تتوسط الجسر (2) على ذمة المؤدب المنتدب لتعليم أبناء الجهة.

ولم يكن هناك آنذاك بناء مبنيّ يتسع لاستقبال أطفال الكتاتيب.

امتحان “السّيزيام” والعبور إلى المدينة

 

وبعد بن قردان ورحلتها والدراسة الابتدائية ومشاقها كنت على موعدٍ مع رحلة ثانية إلى مدينة تطاوين لخوض امتحان السيزيام. جئناها في قافلة على ظهور الحمير واستقبلتنا فنادقها (1) وبعد ذلك مركز الامتحان في مدرسة بورقيبة الابتدائية. وكان هناك هذه المرة متسع من الوقت للتجوال في المدينة والتمتع بفطائرها وحلوياتها وجيلاطها والاستئناس بمن تمدّن قبلنا رغم كون الريف كان يجثم بكل تعاسته على أطرافها.
وكم رغبنا أن ندخل إلى صالة السنما التي كانت قريبة من مقرّ إقامتنا لكنّ أحد أعمامي رفض بشدّة وكان يقول لنا كيف تصرفون أموالكم في هذا الضجيج الذي يملأ الدنيا. وكان يظن أنّ السينما لا تعدو تلك الموسيقى المنبعثة من مصدح قويّ يتردد صداها في أرجاء المدينة وآخر برفضه تعرفنا على السينما إلى سنوات أخرى.

اليهود في تطاوين

 

وفي تطاوين رأينا اليهود لأول مرة في بيوتهم المفتوحة ومتاجرهم ومحلاتهم لإصلاح الساعات وشاهدنا نساءهم يجلسن في ممر البيت يحضرن الملصوقة ويبعنها إلى سكان المدينة.

ولم تكن آنذاك داخلة في تقاليدنا الغذائية بل منا من اشتراها وتناولها نيئة ظنًّا منه أنها تتناول كما هي.
لم نكن في حالة اطمئنان لما كنا نسمعه عن المدينة وعن فتيتها الشرسين وعن تدبيرهم السّيء إذ كانوا يُنعتون بأنهم أبناء سوق.

وكان لهم ولع للإيقاع بأبناء الأرياف البعيدة من أمثالنا.

الإطلالة على الدنيا من معهد تطاوين

كان النجاح في مناظرة السيزيام هو الجواز الذي رسخ صلتنا بالمدينة ومثل المبيت بشروطه القاسية المختبر الحقيقي لصبرنا على الانتظام وتشرّب لون آخر من الحياة له ضوابطه وقوانينه التي كانت تصيبنا بالدّوار وتجعل معاناتنا مضاعفةً، فما كان أشق على أنفسنا الصغيرة التي استأنست بحياة طليقة أن تهضم القيود والتحكم في حركاتها وسكناتها..

ابتدأت الحكاية مع قائمة بأسماء غريبة للملابس وأدوات التنظيف والملاحف والأغطية التي لم نسمع بها ولم نرها إلا عندما نطلبها من التجار ولم يكن كثير منهم يمتلكها في متجره لأن الطلب عليها غير متواتر.

ليس للبيع أو المبادلة


كابدنا طويلًا لملء حقائبنا بهذه المشترطات وكم أزعجنا أن نخيط أرقامنا على كل قطعة لباس. وتراءت لنا هذه الحياة قبل أن نباشرها شديدة التعقيد وتبينّ الفرق شاسعًا بين حياتنا البدوية البسيطة وبين مطالب المبيت التي أملت علينا قطعًا من اللباس لم نكن نعرفها، ففي باديتنا التي أخذ طيفها يبتعد شيئًا فشيئًا كنّا نتصرف في عددٍ محدودٍ من الثياب أغلبها مقدود من أكياس مشروع بام ” PAM ” الأمريكي الذي كان يؤسس للتآخي بين الشعوب بحسب ما تشير إليه العلامة المرسومة على ظهر أكياس الدقيق. وهي عبارة عن صورة ليدين تتصافحان فضلًا عن جملة مكتوبة باللون الأحمر “ليس للبيع أو المبادلة” تنبّه المستهلكين والحكّام إلى مغبّة المتاجرة بهذه المادة لأنها هدية من الشعب الأمريكي.

هذا ظاهر المكتوب أما ما خفي فكنّا أبعد الناس عن إدراكه.


هذه الأكياس التي توزع مجانًا مع مواد غذائية أخرى كانت العائلات تغسلها وتتولّى تفصيلها تبابين واسعة لأبنائها.

وكثيرا ما كان الواحد يرتدي هذا التبّان وقد كتب على مؤخرته “ليس للبيع أو المبادلة” ولو عاش هذا الصبي في مستقبل الدهر لغدا أضحوكة لكل متصفح..

ثكنة من القيّمين والمدير


عالم المدينة آخر وعالم المبيت كان صورة مصغّرة لثكنة ضباطها من القيميين الأشدّاء ومن ورائهم قيم عام ومدير.

وكان الجميع يعمل على إخراجنا من همجيتنا الريفية إلى شروط الحداثة المفروضة فرضًا بمزاج عربي ليس فيه للطفل حق سوى الإذعان للأوامر المسقطة. ولم يكن القيّمون يتوفرون على رصيد بيداغوجي أو يلمّون ببعض المعارف من علم النفس التربوي وإنما كانوا يواجهون همجية الأطفال بهمجية الكبار.

وترتب عن هذا أن غادر بعض التلاميذ المبيت لأنهم لم يطيقوا عنه صبرًا وانقطع البعض الاخر عن الدراسة نهائيًا رغم تفوقهم. ولم يكن للإدارة والقيميين من إلمام بشؤون التربية شيء يذكر عدا العصا والصفع وإنزال العقوبة القاسية لأبسط الهفوات.

حياة رتيبة قاسية في المبيت

 

في المبيت، عوّدنا أنفسنا شيئًا فشيئًا على حياة رتيبة قاسية تنطلق من الخامسة صباحًا إلى حدود العاشرة ليلًا كنّا فيها جنودًا نسير إلى المغسل والمطعم وقاعة المراجعة وقاعة الدرس صفًّا يحرص الواحد منّا خلاله على عدم الانحراف يمينًا أو شِمالًا تجنبًا لمغبة الصراخ والصفع.
كان تكيفنا مع معطيات الواقع الجديد أمرًا عسيرًا على أنفسنا الغضة.
وكنا نتجرّع من الظلم ألوانًا لكننا لم نكن نستطيع البوح بذلك لأنّ حقوقنا كانت مهدورةً كما هي حقوق آبائنا وأهلنا. ورغمًا عن ذلك كنّا نتحمل ذلك لأنّ مقابل تلك المعرفة التي حررتنا شيئًا فشيئًا من عجزنا وجعلتنا نعيش معاناة من نوع آخر…..

مصبـاح شنيــب

– (1 ) الفندق: هو عبارة عن خان به دور للإقامة وإسطبل للحيوانات كان القادمون إلى المدينة يقصدقذونه لإيداع حيواناتهم وللمبيت فيه
– (2) الجسر: هو سدّ رملي لحجز مياه السيلان وفيه مساحة مزروعة عادة بكروم التين والزيتون

-(3) السيزيام: امتحان الدخول إلى التعليم الثانوي

-(4) الرّهاش: إحدى قرى ولاية تطاوين

-(5) المرّة: إحدى قرى ولاية تطاوين

مصبـاح شنيــب

الوسوم

محمد رجب

صحافي وتربوي، عمل في عديد الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية منها إيلاف والعرب اليوم وإرم نيوز والشارقة 24 والتقرير وقنطرة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock