YOUR EXISTING AD GOES HERE
أخبار عربية

خواطرُ مُبدعٍ: الـ “404 باشي” أو الدّابةُ الحديديةُ

مرة أخرى، لا تفراقنا إبداعات الأستاذ مصباح شنيب، ليتحفنا اليوم بنصّ بديع في معانيه وتناسقه. في هذا النص يتحدث الأستاذ شنيب عن أشهر وسيلة نقل “متطوّرة” منذ أكثر من ثلاثين سنة مضت، إنها “404 باشي”.

ويقول عنها “الدابة الحديدية”.

سيف الجزيري يبدع وي...
سيف الجزيري يبدع وينقذ الزمالك بهدفيْن قاتليْن

وهذه تدوينة الـ “404 باشي” كاملة:

404 باشي ..

الأستاذ مصباح شنيب
كانت سيارات “404 باشي” هي التي تؤمّن التنقل بين تطاوين وأريافها القريبة والبعيدة. لم تكن لها كراسي خلال الستينات والسبعينات من القرن الفائت عدا كرسيي قمرتها، أحدهما للسائق والآخر لأحد الوجهاء، أما بقية المسافرين فيتكدّسون في الصندوق الخلفي ومعهم عدد محدود من المواشي التي يُراد بيعها في أيام انعقاد الأسواق.
لم تكن الطريق معبدةً ولذلك فهي على مدى الليل والنهار منتجة لغبار أبيض أنعم من دقيق الفارينة يثار لأبسط هبة نسيم ولوقع الأقدام والحوافر والفراسن وتثيره عجلات السيارات التي تدهسه جيئةً وذهابًا بكل عنف طاقة الميكانيك المجسّدة في ربوعنا بـ “404 باشي”.
كان المتسوّقون أو الذاهبون إلى الدراسة يقفون على حافة الطريق في القرّ والحرّ، وفي الهزيع الأخير من الليل، منتظرين هذه الدّابة الحديدية لتقلهم الى السوق ، وكم من مسافر يكون برفقة عنز او خروف أمله معقود عليهما في توفير دراهم معدودة لقضاء بعض الشؤون المستعجلة.

الـ “404 باشي”

تنطلق “404 باشي” صوب تطاوين لا تلوي على شيءٍ تاركةً خلفها ذنبًا من الغبار ترد النسائم نصيبا منه على مستقلّي السيارة فيعرش في رؤوسهم ذات الشعر الكثّ وينتثر على ثيابهم. وإذا صادف وجود سيارة خلفها فإن ممتطيها من المسافرين يستقبلون كميةً منه في حلوقهم ومناخرهم.
المسافرون تراهم يهتزّون وينتفضون وفقًا لنزوات الطريق ومنعرجاتها الكثيرة ونتوءاتها الحادة وضجيج المحرك يرغي ويزبد ومنفس الغازات تنبعث منه رائحة زيت المحرك المحروق فيشكل مع الغبار وجبةً دسمةً من السموم تـأخد سبيلها إلى خياشيمٍ أحكم الغبار غلقها وحلوق جفّفها نثاره المتطاير.
والمعزاةُ يسيل بولها منحدرًا مع شقوق الأرضية معطرًا الجو المفعم بروائح القيء جراء الدّوار الذي بدأ يلعب بالرؤوس المحشوة بمسحوق الغبار.

ضريبة الحضارة الحديثة

لا يدرك المتسوّقون المدينة إلا وقد اصفرت وجوههم واغبرّت رؤوسهم ولسان حالهم يحمد للحديد فعاليته وينوّه بالسرعة القياسية التي تستغرقها السفرة رغم ما يصيبهم من تشوّهات بفعل متاعب السفر. تلك هي ضريبة الحضارة الحديثة التي شرعت منذ سنوات تدقّ على أدمغتهم عساها تنفتح لعصر جديد له هو الآخر كلفته الباهضة.
ذهبت الرحلات الرومنسية على ظهور الإبل والحمير الخالية من الغبار والمؤثثة باستراحة الشاي ولُمجة “الزّميطة” تعد في أفواه المزاود أو ما يسمى بالمزمّط. رحم الله ذاك الزمن.
اليوم يجدون أنفسهم -رغمًا عنهم- في صميم حقبة جديدة ليس لهم فيها يدٌ ولا لسانٌ.

ما أوحش هذا العالم

ما أوحش هذا العالم الذي لا يعرفون من مفرداته شيئًا.. هم لا يعرفون ماذا يُدبرُ لهم بعد أن رماهم باستعمارٍ بغيضٍ سلبهم الحرية والكرامة.. أَتُراهم لو عضّوا على قلوبهم وعملوا بالليل والنهار سيستدركون ما فاتهم؟.
الطريق طويلة والزّادُ قليل “ولله فيهم علمُ غيبٍ هم صائرون إليه”.

READ  الحالة الصحية للرئيس السّبسي في تحسّن
الوسوم

محمد رجب

صحافي وتربوي، عمل في عديد الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية منها إيلاف والعرب اليوم وإرم نيوز والشارقة 24 والتقرير وقنطرة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock