YOUR EXISTING AD GOES HERE
أخبار عربية

المرزوقي: جائحة كورونا أو الأزمنة الصعبة التي تنتظر عبَدةَ اللّيبرالية

كتب الدكتور المنصف المرزوقي مقالًا تحدث فيه عن الحرب القائمة على جائحة كورونا، مؤكدًا أنّ تغييرًا جذريًا في طرق تفكيرنا وعيشنا، سيطرأ على كل الأسس التي بُنِي عليها العالم المعاصر.

وأكد المرزوقي أنّخطورة الأزمة “ستجبرنا جميعًا على إعادة نظر جذرية في كل هذه الأسس”.

وشدّد على أن هذه الجاحة هي مثل الزلزال الذي أسقط الليبرالية والقومية والوطنية.

الوضع لم يكن طبيعيا في شيء

 

من حوار شيّق للمفكّر الأميركي الكبير ناعوم شومسكي: “كل من يحلم بالعودة إلى الوضع الطبيعي الذي كان سائدا قبل جائحة كورونا مخطئ، أساسا لأن ذلك الوضع لم يكن طبيعيا في شيء”.
ما أظهرته الجائحة هو حجم هشاشة ذلك الوضع “الطبيعي” الذي يحلم البعض بالعودة إليه حال اكتشاف الدواء الناجع واللقاح الواقي. ولا يعني هذا ـ كما يتصور البعض الآخر ـ أنه ما إن تنتهي الجائحة حتى ننتقل فجأة لعالم لا علاقة له بالذي كنا نعيش فيه قبل كورونا.
المؤكد أن خطورة الأزمة ستجبرنا جميعا على إعادة نظر جذرية في كل الأسس التي بُنِي عليها العالم المعاصر، وأن الأمر سيؤدي
ـ طال الزمن أو قصر ـ إلى تغيير جذري في طرق تفكيرنا وعيشنا، والأمر بدأ وإن لم يتفطن له كثيرون.

جائحة مثل الزلزال

هذه الجائحة مثل الزلزال الذي يجبر المهندسين على ابتكار بنايات قادرة في المستقبل على مقاومة زلازل قد تكون أقوى وأشد فتكا؛ ضرورةً بعْد فهْم نقاط الضعف في البنايات القديمة. وبنفس الكيفية؛ ثمة مراجعات موجعة سنضطر لها كأفراد وشعوب ودوَل، لتبيُّن كل نقاط الضعف فيما بنَيناه من منظومات فكرية ومادية وسياسات، واستعمال ما علّمتنا إياه التجربة الرهيبة لبناء أفضل.
خذ أول منظومة خضّها زلزال كورونا وهي النظام الصحي؛ فأن ينهار نظام صحي في بلدان فقيرة أمام جائحة بمثل هذه الخطورة أمر غير مستغرب، لكن أن تعطي كبرى الدول الغربية ـ مثل أمريكا وبريطانيا وإيطاليا ـ الصورة الكارثية التي رأيناها لها وهي تنقل المساعدات الطبية من الطائرات العسكرية الصينية، فهذا أمر سيضطر كلَّ هذه الدول إلى مراجعات أكثر من موجعة بخصوص إعادة تأهيل أنظمتها الصحية.

مراجعات ضرورية أكثر من موجعة

في الحقيقة لم أستغرب انهيار النظام الصحي الأمريكي الذي حاول باراك أوباما إصلاحه، ثم جاء دونالد ترامب ليفسد كل إصلاحات الرجل. لم أستغرب أيضا خلخلة النظام الصحي البريطاني وهو يدفع ـ ويجعل المرضى الأبرياء يدفعون ـ ثمن ليبرالية فقدت كل الضوابط الأخلاقية.
أذكر أنه كان لي في بداية الثمانينيات ـ في إطار وظيفتي كأستاذ للطب الوقائي بكلية الطب في سوسة ـ درسٌ لطلبة السنة الخامسة عن الأنظمة الصحية في العالم، اعتمادا على المقارنة بين النظام الصحي في بلد شيوعي مثل الاتحاد السوفياتي وبلد رأسمالي مثل أمريكا نموذجا، وبين بلدان مثل السويد وبريطانيا تأخذ أحسن أفكار الرأسمالية والاشتراكية.
كنت أبيّن للطلبة -انطلاقا من حجم التمويل بالنسبة للإنتاج الوطني الخام، والنتائج على صعيد الصحة العمومية ـ أن أسوأ نظام صحي هو الأمريكي. كانت تكلفته باهظة ومردوديته ضعيفة على مستوى مقاومة الأمراض وتخفيض نسب الموت، سواء لدى الرضّع أو الشيوخ. كل ذلك لأنه لم يكن مبنيا لمصلحة المرضى وإنما لمصلحة ليبرالية متطرفة تعتبر الصحة سلعة، ككل السلع تباع وتشترى، والهاجس بالنسبة للمستشفيات أو شركات التأمين هو الربح فوق كل اعتبار.
كنت دوما أظهر للطلبة ـ انطلاقا من الأرقام المتوفرة من الدراسات العلمية ـ أن أفضل نظام صحي هو النظام البريطاني، لأنه يمزج بين حرية المرضى والعدالة والتخطيط، ولأنه مموّل من قِبَل الدولة عبر الضرائب. كان ذلك قبل أن تأتي مارغريت تاتشر للحكم وتمزق ـ في أواخر الثمانينيات ـ النظام الصحي البريطاني، والكلمات المفتاحية عندها هي الخَوصصة والمستشفى كمؤسسة اقتصادية لا تنفق على المرضى إلا ما تربحه منهم.

أزمنة صعبة تنتظر عبَدة الليبرالية

المؤكد أن الليبرالية التي كانت تحت القصف المدفعي لكبار الاقتصاديين في العالم -أمثال توماس بيكتي- ستخرج من الأزمة في وضع أكثر ضعفا، ليس نتيجة لأداء الأنظمة الصحية التي تدين بها فحسب، وإنما لتَبيُّن مدى سرعة عطب الماكينة الاقتصادية العالمية التي شكلتها، خاصة بعد اتفاقيات الرئيس الأميركي ريغان ورئيسة حكومة بريطانيا تاتشر أواخر الثمانينيات.
ما أن داهمتنا الجائحة حتى تهاوى الإنتاج نتيجة توقف التواصل بين المصانع الموزّعة في أنحاء العالم حسب رُخْص اليد العاملة هنا وهناك، مما أدى فجأة إلى تسونامي البطالة ووراءها شبح عودة المجاعات في البلدان الأكثر هشاشة. إنها أزمنة صعبة تنتظر عبَدة الليبرالية.
لقد غضّت الشعوب والنخب الطرف عن عيوبها ونواقصها وهي تدمّر الطبيعة، حيث اعتبرتها هي أيضا مجالا للإثراء من بين كل المجالات. لكنها قد لا تغفر لها مسؤوليتها في الأزمة الاقتصادية الحالية، وما قد يتبعها -بعد انتهاء الجائحة- من أزمات لن تسكت عليها لا الشعوب، ولا حتى أكثر الدول خضوعا للشركات العالمية الكبرى.

الوطنية والقومية أو تقادم المفهوم بصفة تكاد تكون كاريكاتورية

الوطنية والقومية؟ أظهرت الجائحة تقادم المفهوم بصفة تكاد تكون كاريكاتورية، فهذا الفيروس يلقننا أبلغ درس ألا وهو أن البشرية واحدة والعالم واحد؛ فأيُّ معنى اليوم لمفهوم مثل استقلالية القرار الوطني وأنت في عالم مترابط متشابك متلاحم، كل وطن فيه بمثابة خلية من نسيج مشترك، تحيا بما يُحييه وتمرض بما يصيبه وتموت بما يميته؟.
أيّ معنى للحدود اليوم في عالم فيه ـ نتيجة شَرَه صينيين للحم الخفافيش ـ يتساقط آلاف الإيطاليين والإسبان والفرنسيين قتلى، ويخرج لمظاهرات الجوع لبنانيون، وتكثر عمليات السطو على شاحنات السميد في تونس، ويدخل قسمَ العناية المركزة رئيسُ حكومة بريطانيا، ويصبح رئيس أول قوة عسكرية في العالم مصدر سخرية الجميع، لاقتراحاته “العبقرية” حول كيفية علاج المرض؟.

READ  الحكم بثلاثة أشهر سجنًا على مريم الدبّاغ
الوسوم

محمد رجب

صحافي وتربوي، عمل في عديد الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية منها إيلاف والعرب اليوم وإرم نيوز والشارقة 24 والتقرير وقنطرة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock